القرطبي
95
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( إلهكم إله واحد ) لما بين استحالة الاشراك بالله تعالى بين أن المعبود واحد لا رب غيره ولا معبود سواه . ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) أي لا تقبل الوعظ ولا ينجع فيها الذكر ، وهذا رد على القدرية . ( وهم مستكبرون ) أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق . وقد تقدم في " البقرة ( 1 ) " معنى الاستكبار . ( لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) أي من القول والعمل فيجازيهم . قال الخليل : " لا جرم " كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون . أي حقا أن لهم النار وقد مضى القول في هذا في هود " ( 2 ) " مستوفى . ( إنه لا يحب المستكبرين ) أي لا يثيبهم ولا يثنى عليهم . وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم ( 3 ) وهم يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله ، فنزل وجلس معهم وقال : ( إنه لا يحب المستكبرين ) فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني ، فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا . قال العلماء : وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر ، فإنه فسق يلزمه الاعلان ، وهو أصل العصيان كله . وفى الحديث الصحيح " إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم " . أو كما قال صلى الله عليه وسلم : " تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها " . قوله تعالى : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ( 24 ) قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ) يعنى وإذا قيل لمن تقدم ذكره ممن لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث " ماذا أنزل ربكم " . قيل : القائل النضر بن الحارث ، وأن الآية نزلت فيه ، وكان خرج إلى الحيرة فاشترى أحاديث ( كليلة ودمنة ) فكان يقرأ على قريش ويقول : ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين ، أي ليس هو من تنزيل
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 296 . ( 2 ) راجع ج 9 ص 20 . ( 3 ) في ج وى : لهم .